بين الدولة والميدان

عاجل

الفئة

shadow


*بقلم مُنجد شريف*
 
بينما تنشغل بعض الأقلام اللبنانية في استحضار ثنائية “الدولة” و”الميدان” كخطين متوازيين لا يلتقيان، وفي تصوير خيار المواجهة كأنه “انتحار طوعي” خارج سياق الضرورة الوطنية، يبدو من الأهمية بمكان إعادة قراءة المشهد بعيداً عن الانفعال العاطفي أو القراءات التبسيطية التي تسقط من حساباتها طبيعة الصراع الوجودي في المنطقة.
إنّ وضع “البندقية” في قفص الاتهام بوصفها عائقاً أمام قيام الدولة، يتجاهل حقيقة أن هذه الدولة نفسها قد جُرّدت، بقرار دولي ممنهج، من أدوات الردع الحقيقية، لتُترَك مكشوفة الظهر أمام عدو لم يكن يوماً بحاجة إلى “ذريعة” ليمارس أطماعه التوسعية.
إنّ الحديث عن “اختطاف قرار الدولة” يسقط أمام واقع مرير؛ وهو أنّ الدولة التي يُراد لها أن تتسلّم زمام الأمور مُنعت تاريخياً من امتلاك السلاح النوعي الذي يكفل حماية سيادتها. في هذا الفراغ الدفاعي القاتل، لم يكن “الميدان” جسماً غريباً عن الجغرافيا أو التاريخ، بل كان الضمانة الوحيدة التي منحت المفاوض اللبناني “ورقة قوة” على الطاولة. فالدبلوماسية في غياب القوة ليست سوى استجداء للسيادة، والتاريخ يعلمنا أنّ الأرض التي لا يحميها أبناؤها، تتحوّل في قاموس “تل أبيب” إلى مشاعٍ استراتيجي.
تُطرح الشرعية الدولية اليوم كأنها الحلّ السحري، ويُغفل الكثيرون أنّ القرار 1701 تحوّل منذ عام 2006 إلى “أرشيف للخروقات الإسرائيلية” التي بلغت الآلاف جواً وبراً وبحراً. إنّ المطالبة بتنفيذ القرار من طرف واحد هي دعوة صريحة لتجريد لبنان من أظافره الدفاعية. الميدان اليوم لا يلغي الشرعية الدولية، بل يفرض واقعاً يجبر الاحتلال على احترامها، فالمجتمع الدولي لا يتحرك لإنصاف الضحية “الهادئة”، بل للتعامل مع الوقائع التي تفرضها موازين القوى.
في نقد “حرب الإسناد”، يغيب عن البعض أنّ العقيدة العسكرية لليمين المتطرف الإسرائيلي كانت تتحيّن اللحظة التاريخية للانقضاض على لبنان تحت عنوان “تغيير الواقع الاستراتيجي”. لم تكن المواجهة خياراً ترفياً، بل ضربة استباقية، هدفت إلى بعثرة أوراق نتنياهو ومنعه من الاستفراد بالساحات واحدة تلو الأخرى. لكن “غدر التكنولوجيا” الذي فاجأ الجميع، ومطمع العدو “بالأرض المحروقة” استلزمت الانخراط في معركة مفتوحة، مهما بلغت التضحيات، لمنع تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة تلتهم السيادة الوطنية تحت ستار الأمن الإسرائيلي.
من المجحف ربط الانهيار الاقتصادي بخيار المقاومة، مع القفز فوق عقود من المحاصصة، والسياسات المالية النهابة، ومنظومة الفساد التي نخرت عظام الدولة قبل رصاصة الحرب الأولى. لبنان لم يسقط بالبندقية، بل سقط بنظام مالي واجتماعي عجز عن بناء اقتصاد إنتاجي يحصّن الجبهة الداخلية.
إنّ تصوير “الميدان” كسبب للفقر هو هروب من مواجهة الجناة الحقيقيين الذين نهبوا أموال المودعين وأفرغوا الخزينة، تاركين البلاد عارية في مهبّ الريح الاستعمارية.
إنّ “الركام” الذي يتحدث عنه البعض بلغة جنائزية هو كلفة ثقيلة لا ينكرها أحد، لكن البديل ليس “سويسرا الشرق”، بل هو احتلال مقنّع، وتبعية كاملة، وتوطين يفرض واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً ينهي فكرة “لبنان الوطن”.
عندما يُقال “اتركوا الكلام للميدان”، فذلك ليس تقليلاً من شأن السياسة، بل إدراكاً لواقع عالم لا يحترم إلا الأقوياء. المشكلة ليست في من يحمل السلاح دفاعاً عن ترابه، بل في السعي لإقناع الضحية بأنّ “الحياة الطبيعية” تكمن في الاستسلام للمفترس. الميدان هو الجدار الأخير، والضمانة الوحيدة لكي لا يتحوّل لبنان من وطن سيد إلى مجرد مستعمرة حدودية…

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة